فخر الدين الرازي
109
القضاء والقدر
الوجه الثالث : إن مذهب الجبرية : أنه لا مؤثر في حدوث الممكنات إلا اللّه ، وإذا كان كذلك ، كان تخصيص بعض الناس بخلق الكفر والمعصية فيه ، والبعض الآخر بخلق الإيمان والطاعة . تخصيصا لا لمخصص . وأيضا : مذهب الجبرية : أنه لا حسن ولا قبح في العقول . وعلى هذا التقدير تخصيص بعض الأفعال بالإيجاب ، والبعض بالندب ، والبعض بالتحريم : تخصيصا لا لمخصص أصلا . ومجوز هذا ، يلزمه أن يحكم باستغناء الممكن عن المرجح . وذلك يقتضي نفي الصانع . وهذان الوجهان ، نحن لخصناهما للقوم . وما رأينا أحدا منهم دار حولهما . واعلم : أن الجواب المعتمد عن الوجه الثاني : إنا بينا فيما تقدم : أنه إن لزم على مذهب الجبرية القول بأن الصانع موجب بالذات ، لا فاعل بالاختيار ، لزمهم على مذهبهم : نفي المؤثر بالكلية ، وتجويز أن يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح . ولا شك أن هذا أقبح وأقطع مما ألزموه علينا . وأما الوجه الثالث من الوجوه التي نسبناها إليهم : فجوابه : إن مذهبهم : أن حصول الفعل لا يتوقف على الداعي . وحينئذ يلزمهم على هذا المذهب ، عين ما ألزموه علينا . وباللّه التوفيق وأما بيان أن كل من نفى كون العبد موجدا ، فإنه يتعذر عليه الاعتراف بالنبوة . فبيانه من ثلاثة وجوه : الأول : إن العجز إنما يدل على صدق المدعي ، إذا اعتقدنا أنه لا يجوز ظهوره عقيب دعوى الكذاب . فمن اعتقد أنه لا خالق لجميع أنواع الكفر والفواحش إلا اللّه تعالى . فكيف يمكنه أن يقول : إنه لا يجوز من اللّه تعالى إظهار المعجز عقيب دعوى الكذاب ؟ بل نقول : إنه لا يفسده في إظهار المعجز عقيب دعوى الكذب ، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى الجهل والتلبيس . فمن قال : إنه تعالى هو الخالق لكل كفر ، وكل جهل ابتداء . فكيف يمكنه أن يقول : إنه تعالى لا يجوز منه أن يفعل ما قد يؤدي إلى الجهل والتلبيس ؟ لا يقال : الدليل على أنه لا يجوز من اللّه تعالى إظهار المعجز على يد الكذاب : أنه تعالى قادر على أن يعرفنا صدق الأنبياء عليهم السلام على سبيل الضرورة . فوجب أيضا أن يقدر على أن يعرفنا صدقهم بالدليل ، وإلا لزم المعجز . ثم إنه ثبت أنه لا دليل سوى المعجز ، فلو جوزنا من اللّه تعالى أن يظهر المعجز على يد الكاذب ، فحينئذ لزم أن لا يقدر اللّه تعالى على أن يعرفنا صدق الأنبياء على سبيل الاستدلال . وذلك يفضي إلى تعجيز اللّه تعالى ، وأنه محال . لأنا نقول : هذا الكلام ضعيف من وجوه : الأول : لا نسلم أنه تعالى لما قدر على أن يعرفنا صدق الأنبياء على سبيل الاضطرار ،